توفيق أبو علم

172

السيدة نفيسة رضي الله عنها

فهذه تدلّ على أنّ دعاء الشخص لغيره وسيلة توصل الإنسان إلى ربّه ، لأنّه ليس المراد بالوسيلة إليه الوسيلة إلى ذاته ؛ لأنّه لا وسيلة إلى ذات اللَّه ، وإنّما المراد الوسيلة إلى ثوابه وإلى رضاه ، والذي يوصل إلى ثواب اللَّه وإلى رضاه عمله وإيمانه ، أو دعاء غيره له . بقي التوسّل بذات رسول اللَّه أوالنبيّ أو الوليّ أوالصالح ، فهل هذه أيضاً وسيلة « 1 » ؟

--> ( 1 ) يعدّ التوسّل بأولياء اللَّه الذين لهم كرامة عند اللَّه سبحانه ، من المسائل المعروفة والدارجة بين جميع مسلميالعالم ، وذلك للأخبار الكثيرة الواردة في جوازه ، بل واستحبابه ، وليس هو ظاهرة غريبة وشاذّة . وقد تعارف عليه المسلمون منذ صدر الاسلام ، وجرت بين الصحابة والتابعين ، وتوالت حقب طويلة عليه حتّى يومنا الحاضر ، بل لا تجد مسلماً ينكره ، وإذا ما وجد أحد فمن غير دليل ، اللّهمّ إلّاتبعاً لابن تيمية وتلامذته في القرن الثامن الهجري ، وبعد قرنين جاء الشيخ محمد عبد الوهاب فاعتبر التوسّل بأولياء اللَّه بدعةً تارة ، وعبادةً أخرى ! غير أنّ باقي العلماء أكّدوا على خلاف ذلك ، وأثبتوا - على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم - بالدليل النقلي والعقلي على أنّ التوسّل بأولياء اللَّه الصالحين كان أمراً متداولًا بين المسلمين على طول الأعصار والأمصار وحتّى يومنا الحاضر ، وهو سنّة متّبعة في أغلب الأقطار الاسلامية . ومن أبرز الكتب القيّمة التي خطّتها يراعة علماء مشهورين ، والتي تتعرّض لمسألة التوسّل بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وجميع الأولياء الصالحين : 1 - الوفا في فضائل المصطفى ، للحافظ ابن الجوزي ، المتوفّى سنة 597 ه حيث أفرد باباً كاملًا حول التوسّل بالنبي صلى الله عليه وآله ، وآخر حول الاستشفاء بقبره الشريف . 2 - مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام ، لشمس الدين محمد بن نعمان المالكي ، المتوفّى سنة 673 ه ، وقد نقل السمهودي في كتابه الذي أسماه : « وفاء الوفا » باب التوسّل بالنبي صلى الله عليه وآله عنه . 3 - البيان والاختصار ، لابن داود المالكي الشاذلي . وقد ذكر فيه موارد عديدةممّا وقع من العلماء والصلحاء من الشدائد والمحن ، فتوسّلوا بالرسول والتجأوا إليه صلى الله عليه وآله فحصل لهم الفرج واليسر . 4 - شفاء السقام ، لتقي الدين السبكي ، المتوفّى سنة 756 ه ، وقد تحدّث فيه عن التوسّل بالنبي صلى الله عليه وآله بشكل رائع وجدير بالمطالعة ، من ص 120 - 133 . 5 - المواهب اللدنية ، لأبي العباس القسطاني ، المتوفّى سنة 932 ه . 6 - شرح المواهب اللدنية ، للزرقاني المالكي المصري ، المتوفّى سنة 1122 ه ، وخاصةً في الجزء الثامن منه ، عند ص 317 وما بعده . 7 - صلح الاخوان ، للخالدي البغدادي ، المتوفىّ سنة 1299 ه ، وقد أحسن في تأليفه وتعرّضه للموضوع بعد أن جمع فيه شوارده فبلغت ( 70 ) صفحة ، وله أيضاً رسالة خاصة في الردّ على محمود الآلوسي البغدادي ، الذي تكلّم حول موضوع التوسّل بالنبي صلى الله عليه وآله . إنّ مطالعة سريعة في هذه الكتب ، وما أوردته من استدلالات ، يعطي طابعاً خاصّاً للقارئ على إجماع علماء المذاهب الاسلامية على جواز التوسّل بالنبي صلى الله عليه وآله والأولياء الصالحين ، بل واستحبابه ، إضافة إلى نصّ القرآن الكريم والسيرة القطعية في كل عصر ومصر على ذلك ، وبنفس الوقت يكشف زيف ادّعاء المخالفين وبطلان مزاعمهم .